السجائر *
كانت
السجائر هي اكثر ما يدفعنا للحياة كل يوم ، رغبتنا الوحيدة وسيلتنا للنجاة
.
تقاسمنا سجائرنا كما نتقاسم رغيف الخبز في السجن ، تنظر لعيني و انا
ألف سجارتي الوحيدة التي حصلت عليها في قماش قميصي الرث ، أخبرتك لن انفث دخان
السيجارة الا عندما أخرج من المعتقل ، احتفظت بأمنيتي طويلاً ، تجاوزت الأمر ، بات
خروجنا من هنا نكتة نضحك عليها كل ليلة حين نتسامر قبيل وقت النوم
.
و أنا انظر بإتجاه النافذة ، حيث لا أمل للنجاة لا معبر لا ضوء قمر
يدلني على الطريق .
ذات ليلة ، ارتفعت فيها أصوات النزلاء في الغرفة الضيقة المجاورة لنا
، أظنها ثورة المساجين للبحث عن أحلامهم و رغباتهم الرمادية في الحياة ، أعمال شغب
هذا ما يتحدث عنه الآخرون هنا ، و أنا ؟
لا اعلم كم مضى من الوقت . لاادري إذا ما كنت احمل على عاتقي حلم ارغب
بالوصول إليه، شعرت بدمي يفور في عروقي مشاعر التخبط والتيه التي لازمتني طويلاً
الحقد والكراهية وهذه الغرفة الضيقة النتنة المليئة بالهواء الفاسد، من حيث لا
اشعر اشعلت سيجارتي الوحيدة، استنشق الهواء من حولي وانفث الدخان؛ الحراس في كل
مكان لا يمكنهم إيقاف هذه الجموع الغاضبة التي لا تبصر ما حولها سوى بالرغبة
الجامحة للخروج نحو الحرية، يقترب مني الحارس وينهال علي بالركل و الصفعات، لم
آئبه؛ هه! سئمت هذا المكان استجمعت قواي لكمته في وجهه سال الدم من أنفه و ارديته
طريحا و انهلت عليه باللكمات و انا أشعر بالغضب ، لا ازال انفث الدخان اطفئت عقب
اللهب الصاعد في جبين الحارس استلتذت برؤيته يشعر بالألم لم يسعني سماع صوت
استنجاده و صراخه الهائج ، الفوضى في كل مكان حولي .
سرت نحو الجدار الذي لم يكمل بنائه عندما لمحت شعاع القمر يرشدني إليه
، و قفزت بكل ما اوتيت من قوة و في راسي أشاهد ذكرياتي تمر سريعاً ابتسم تارة و
اصرخ تارة أخرى ، انا اطير في السماء ، يسعني رؤية يدي كجناحي طائر ، أحلق نحو
البعيد و اضحك بشدة كما لو أن راسي ضرب بالأرض ولم يشعر بالألم ، من خلفي يلمح
الحراس خيالا طائراً يسدد نحوي رصاصة طائشة اصابت كتفي اليمنى ، ماذا الآن هل تبدد
الحلم ؟ اغمضت عيني و تهاوى جسدي بسرعة هائلة يداعبه نسيم بارد تسلل الى كل اطرافي
لم اعلم ما الذي سيستقر عليه جسدي حينما اصل للأرض، الظلام دامس و انا اسقط بلا
توازن معلقاً من قدمي و راسي موجهاً نحو القاع. اضحك كثيراً، ﻷنني خرجت لتوي من
الجحيم و فجأة اسقط كلي نحو البحر .
اعود لذكرى ما ، صوت غريب ، ملمس بارد يداعب قدمي ، و اهرب ، لم اكن
اجيد السباحة من قبل ، يتبادر لذهني هل سأنجو ؟ اغمضت عيني لم اشعر بأي شيء آخر،
لم اعد قادراً على الحراك ، اطفو فوق الماء و يغطيني مرة اخرى ، إلهي!
أتقلب في
فراشي المبلل و اسبح في عرقي، حرارتي المرتفعة تشعرني بالغضب و تلزمني الفراش
لأيامٍ طويلة، الهذيان يفقدني صوابي! وسط الظلام الحالك أفقت من منامي ،أتنفس
بصعوبة ، أسعل كثيراً ،أنظر حولي ،و نحو النافذة السماء ملبدة بالغيوم و الجو ضباب
،أتنهد ،أنا لا أزال هنا ،في زنزانة المعتقل، و سيجارتي لا تزال في جيب قميصي.
تعليقات
إرسال تعليق